مشروع قانون أيرلندي يثير مخاوف حقوقية حول حماية الصحفيين
يتيح مصادرة أجهزتهم الرقمية
حذرت صحيفة "ذا صن" البريطانية الأحد، من "عيوب عديدة" محتملة في مشروع قانون صلاحيات الشرطة الأيرلندية الجديد، وسط تحذيرات قوية من ناشري الصحف بشأن حقوق الصحفيين وحماية مصادرهم، موضحة أن القواعد الجديدة تهدف إلى مواكبة النموذج المعتمد في أيرلندا الشمالية، وهو ما أثار جدلاً واسعًا بين المؤسسات الإعلامية.
وأعربت الرئيسة التنفيذية لمنظمة "نيوز براندز أيرلندا"، آن ماري لينهان، عن قلق بالغ بشأن منح الشرطة صلاحية مصادرة أجهزة الكمبيوتر المحمولة والهواتف الخاصة بالصحفيين والوصول إليها.
وأكدت لينهان، أن المشروع يقوض الحماية القانونية التقليدية للمصادر، مشيرة إلى أن الحماية العامة للمصادر تعتبر جزءًا لا يتجزأ من حرية الصحافة بحسب قرارات المحكمة العليا الأيرلندية ومحكمة العدل الأوروبية.
وأعلن وزير العدل، جيم أوكالاهان، مؤخرًا عن مقترحات لإصلاح القوانين المتعلقة بأوامر التفتيش، وتوضيح آليات وصول الشرطة للأجهزة الرقمية بعد مصادرتها، وأكد أن المشروع يوفر إجراءات قانونية واضحة للتعامل مع المواد المحمية بالامتياز، لكنه استثنى الصحفيين من الحصانة المطلقة الممنوحة للمحامين.
وأثار هذا الوضع مخاوف الصحفيين الذين يخشون أن تمكن الشرطة من كشف مصادرهم، بما يؤدي إلى تقييد الصحافة الاستقصائية والتأثير على واجب الإعلام في مراقبة الحكومة وتثقيف الرأي العام.
الضمانات القضائية
طالب وزير العدل، جيم أوكالاهان، بتوفير إطار قضائي لمعالجة المواد المحمية، لكن المصادر الصحفية شددت على أن الإجراءات المقترحة تأتي بعد مصادرة الجهاز، أي بعد فقدان الصحفي القدرة على حماية مصادره.
وأوضحت آن ماري لينهان أن المشروع يجب أن يضمن عقد جلسة استماع قبل إصدار أي إذن تفتيش لتحديد ما إذا كانت الحماية القانونية للصحافة تنطبق، كما هو معمول به في أيرلندا الشمالية.
وصرح قاضي المحكمة العليا، جيرارد هوجان، في قرار صادر عام 2023، بأن الحماية العامة للمصادر جزء أساسي من حرية الصحافة، مؤكدًا أن غياب حماية دستورية لحق وسائل الإعلام في حماية مصادرها سيؤدي إلى عجز الصحفيين عن أداء واجبهم في محاسبة الحكومة.
وأشارت لينهان إلى أن المشروع الحالي يجعل من الصعب على الصحفيين الدفاع عن حقوقهم قبل مصادرة أجهزتهم، مما يمثل ثغرة قانونية خطيرة.
رحب البعض بنية الوزير إدخال إجراءات واضحة للتعامل مع المواد المحمية، إلا أن الهيئات الصحفية ترى أن عدم وجود ضمانات مسبقة قبل التفتيش يترك مساحة واسعة لتجاوز الحقوق الأساسية، وهو ما قد يقوض حرية الإعلام والمسائلة العامة.
ردود فعل سياسية وصحفية
انتقد نواب المعارضة المشروع واعتبروه محاولة لتقييد حرية الصحافة، ووصف مايكل كولينز، زعيم حزب أيرلندا المستقلة، مشروع القانون بأنه "صادم ومريب" و"محاولة متعمدة لتقويض امتيازات الصحافة".
وأضاف أن إقراره بصيغته الحالية سيقضي على الحماية التي اعتمد عليها الصحفيون والمبلغون عن المخالفات لكشف الحقيقة.
وحذّر المتحدث باسم حزب شين فين لشؤون العدل، مات كارثي، من أن القانون قد يخلق بيئة معادية للصحفيين أثناء تأدية عملهم، داعيًا الوزير إلى سحب المقترحات.
وأوضح المتحدث باسم الحزب الديمقراطي الاجتماعي لشؤون العدل، غاري غانون، أن اهتمام الوزير يبدو أكثر بتوسيع صلاحيات الشرطة على الورق بدلًا من حماية المجتمع من المخاطر الواقعية مثل الجرائم والعنف المرتبط بالمخدرات، وأن مشروع القانون قد يمس أمن الصحفيين ويقوض ثقة المصادر.
وصرح رئيس الاتحاد الوطني للصحفيين، شيموس دولي، لصحيفة آيريش ديلي ميل بأن التشريع قد لا يحمي مصادر الصحفيين، داعيًا إلى توضيح تفصيلي من وزارة العدل حول كيفية تطبيق القانون عمليًا، مشددًا على أن أي إجراء من شأنه تهديد المصادر أو تثنيها عن الإدلاء بشهادتها يمثل خطرًا مباشرًا على حرية الإعلام.
تفاصيل التشريع المقترح
أعلن وزير العدل، في بيان صحفي يوم 27 ديسمبر، عن موافقة مجلس الوزراء على مشروع قانون صلاحيات الشرطة (2025)، والذي يمنح الشرطة صلاحيات أوسع لتفتيش الأجهزة الرقمية دون موافقة قضائية مسبقة، مع الإشارة إلى أن التشريع يشمل تسجيل كل عمليات التفتيش رسميًا.
وأوضح الوزير أن الامتياز المهني للمحامين سيظل مطلقًا، بينما الامتياز الصحفي سيُدار من خلال إجراءات منظمة، بما في ذلك قرار من المحكمة العليا عند الاقتضاء.
وأكدت الوزارة أن الإطار الجديد يشمل أيضًا حقوقًا للأشخاص المحتجزين في استشارة محامٍ قبل وأثناء الاستجواب، والتسجيل الإلكتروني للاستجوابات، وتحديثًا لإطار الاحتجاز.
ونشر موقع "الأوروبي المحافظ" أن مشروع القانون يثير غضبًا واسعًا بين السياسيين والصحفيين، لأن الصلاحيات المقترحة قد تُثني المبلغين عن المخالفات وتقوّض الصحافة الاستقصائية، على الرغم من تأكيدات الحكومة على وجود ضمانات قضائية.
وأشار الموقع إلى أن المشروع يُلزم بتقييم ادعاءات الصحفيين بالامتياز من خلال إجراءات المحكمة العليا، وليس مسبقًا، ما يجعل الحماية القانونية متأخرة جدًا، وفق منظمة "نيوز براندز".
حقوق الصحفيين والمصادر
أكدت منظمة "نيوز براندز أيرلندا" أن المشروع لا يراعي مكانة الصحفيين في جانبين رئيسيين: حماية مصادرهم، وضمان الحق في تقديم طلب الحصانة قبل مصادرة الأجهزة، وأوضحت آن ماري لينهان أن القانون يجب أن يُقر صراحة بحماية الصحفيين لمصادرهم، بما يتماشى مع قرارات المحكمة العليا الأيرلندية ومحكمة العدل الأوروبية، اللتين شددتا على أن حماية المصادر الصحفية أمر جوهري لحرية الصحافة.
أثار المشروع مخاوف من أن يؤدي إلى تراجع حرية الإعلام الاستقصائي، وإلى تثبيط المبلغين عن المخالفات عن الإدلاء بشهاداتهم خوفًا من كشف هوياتهم.
وحذرت مصادر صحفية من أن القانون الحالي يجعل المحكمة العليا هي الجهة الوحيدة للنظر في ادعاءات الحصانة بعد مصادرة الأجهزة، وهو ما يعتبر متأخرًا جدًا لضمان حماية الحقوق الأساسية.
طالبت المنظمة بنظام يسمح للمحاكم بتقييم الحصانة الصحفية قبل إصدار أي إذن تفتيش، كما هو معمول به في أيرلندا الشمالية، لتعزيز حقوق الصحفيين وحماية مصادرهم، وأكدت أن هذا الإجراء سيحمي سلطة المحاكم في البتّ في مدى انطباق الحماية القانونية على الصحفيين، ويعزز حرية الإعلام والمساءلة العامة.
يبدو أن مشروع القانون الأيرلندي الجديد يفتح نقاشًا واسعًا حول توازن سلطة الشرطة وحماية حقوق الصحفيين، ويبرز الحاجة الملحة إلى إجراءات واضحة وقوية لحماية المصادر الصحفية، بما يتماشى مع المبادئ الدستورية والمحاكمية العليا في البلاد، لضمان ألا تتحول حماية الأمن إلى وسيلة لتقييد حرية الإعلام والمساءلة.











